الاثنين، 25 يوليو 2016

العقيدة النصيرية بين قدامى النصيريين والمعاصرين



العقيدة النصيرية بين قدامى النصيريين والمعاصرين


مقدمة

كان الداعي لهذا المقال هو كثرة الاسئلة والاستفسارات وأحيانا الاعتراضات حول أنه هل النصيرية القديمة هي نفسها المعاصرة؟ أو قول البعض من المشككين إن مجمل عقائد النصيرية كتاليه علي بن أبي طالب وانكار البعث والنشور والنسخ والمسخ ... هي أمور قد تجاوزتها النصيرية الحديثة وتخطتها ولم يعد أحد من المحدثين يقول بها مستندين في ذلك إلى البحوث والكتابات التي وضعها النصيريون المعاصرون يدافعون فيها عن أنهم ما هم سوى طائفة شيعية تعتمد الفقه الجعفري وتوالي آل البيت وكل ما ينسب لها من عقائد غالية هي تدليس وأكاذيب يروجها الخصوم للإساءة لهم وتنفير المسلمين منهم وتكفيرهم.
وفي الحقيقة فإن أعلام النصيرية المحدثين وكثير من الشيعة وبعض المنتسبين إلى أهل السنة نجحوا خلال الخمسين سنة الماضية في تضليل أهل السنة بشكل خاص حول حقيقة اعتقادهم  فقد ركزوا اهتمامهم و شرعوا في تأليف الرسائل و الكتب والحصول على فتاوى شيعية أو سنية تظهرهم لعموم الطوائف الأخرى بانهم فرقة شيعية لا تختلف عن الشيعة في شيء، و نشير هنا اختصارا إلى بعض تلك الحملات الدعائية التي نفذها النصيريون لتسويق طائفتهم بين الاديان و الطوائف الأخرى ليلقوا القبول بينها و يشتتوا انتباه الناس عن حقيقتهم الدينية والتي استخدموا لها عمائم شيعية وسنية إضافة لأقلام نصيرية:
1.      المؤلفات والنشرات والفتاوى الشيعية التي أطلقها عمائم شيعية (عبد الحسين شرف الدين، محسن الأمين العاملي، موسى الصدر، محسن الحكيم، حسن مهدي الشيرازي...) منذ مطلع القرن العشرين والتي سوقت النصيريين على أنهم من اتباع المذهب الجعفري ولا يختلفون عن الشيعة في الأصول والفروع،
2.      فتاوى للمنتسبين إلى السنة نسبت العلويين إلى الإسلام منها على سبيل المثال فتوى أحمد كفتارو بان حافظ الأسد مسلم وفتاوى أخرى تصب في نفس الموضوع والفكرة لعمائم سنية أخرى
3.      المؤلفات النصيرية المكتوبة لأهل الظاهر (غير العلويين): ويأتي على رأسها كل الانتاج المطبوع الذي ألفه عبد الرحمن الخير والذي يبدو منه أن الخير كان كبيرهم الذي تولى عملية التلميع للطائفة ابتداء من حكم حافظ الأسد، يضاف له ما كتبه هاشم عثمان وعزيز إبراهيم ...
إنه من الدلائل الواضحة الصريحة على أن العقيدة النصيرية القديمة هي نفسها التي يؤمن بها النصيريون المعاصرون هي أن معظم مؤلفات الأقدمين كالخصيبي والطبراني والجسري والجلي والمكزون ... لا زالت متداولة بين ايدي النصيريين إلى اليوم بدليل النسخ الحديثة التي بخط اليد لتلك الكتب والتي وصلنا منها الكثير ومعظمها يعود لفترة التسعينيات من القرن العشرين، فلو لم تكن تلك الكتب مما يؤمنون بما فيها ويعتقدون بما جاء فيها فلم ينسخونها ويحتفظون بها ويتداولونها؟ بل إن هناك مؤلفات حديثة كتبت شرحًا وايضاحًا لتلك الكتب كشرح ديوان المنتجب العاني و الخصيبي لإبراهيم عبد اللطيف مرهج، و شرح ديوان المكزون السنجاري لسليمان الأحمد  وشروح عبد اللطيف مرهج لكتاب الأصيفر... وهم إضافة لشرحها فقد اعتمدوا إلى جانب رايهم في شرحها على أقوال القدامى في المسائل الفقهية والعقدية فاحتج مرهج بالرسالة الرستباشية وأدعية الأعياد للمكزون أكثر من مرة في شرح المنتجب، كذلك احتج بها سليمان الأحمد في شرح المكزون واحتج بأقوال الجلي والمكزون والجسري ، واحتج عبد اللطيف مرهج بمؤلفات الحسن الحرَّاني والخصيبي... فالسلفية في العقيدة النصيرية حاضرة بقوة مما يؤكد أن عقائد المعاصرين هي نفسها عقائد الأقدمين حذو القذة بالقذة و لا تحيد عنها مقدار أنملة
إن النصيرية القديمة وبحسب أصولها المكتوبة تؤمن بألوهية علي بن أبي طالب وتعتقد بالتناسخ، وتنكر الجنة والنار كما يعتقد المسلمون ولا يصومون ولا يصلون ولا يحجون ويتأولون هذه العبادات إلى حقائق باطنية تخالف معناها وإن ادعوا في الظاهر غير هذا ونستطيع أن نثبت كل واحدة مما ورد اعتمادا على كتب القوم وما خطه الأقدمون وسنفعل هذا إذا اقتضى الأمر.
ويبقى السؤال هل علويو اليوم في العقيدة والأركان على نفس العقائد والأركان التي كان عليها الأقدمون؟
بطريقة علمية بحتة فإنه لو جاء غير مسلم ليكتب بحثًا عن الإسلام في عقائده وأركانه فإنه لا يتوجه إلى الشارع والمجتمع ليكتب عن الإسلام ذلك أن تصرفات واعتقادات عوام الناس لا تعبر عن المثالية ولا تشكل قناعاتهم وتصرفاتهم مرجعية فكرية فهم من مشارب مختلفة والتزامهم يتفاوت صعودًا وهبوطًا بحسب عوامل عديدة.... إن دراسة أي دين تكون بناء على أصوله المكتوبة المتفق عليها بين أتباعه ولا سيما عُليَة القوم منهم وليس اعتمادًا على تصرفات الأفراد التي تقترب أو تبتعد من الأصول. فعند إعداد دراسة عن الإسلام فإن مصادر الإسلام التي يعترف بها أبناؤه هي التي تعرف الإسلام وهي القران والحديث الصحيح وما يتبعهما من تفاسير وشروح...
ونفس الأمر بالنسبة للنصيرية فان تصرفات الرقيب أبو حيدر وأقوال صاحب صفحة الفيس بوك المستنير وما تدَّعيه مذيعة التلفزيون المتحررة من الطائفة العلوية ...   ليس مما يعرف العقيدة النصيرية المعاصرة بل ما يعرفها هو ما اتفق عليه رجال الدين وعلية القوم في المجتمع النصيري المعاصر، فالعقيدة النصيرية المعاصرة ومدى تطابقها مع القديمة نعرفه من خلال ما كتبه الشيوخ المحدثين كسليمان الأحمد وابراهيم مرهج وعبد اللطيف مرهج وحسين أحمد وحيدر عبود .... فهؤلاء هم من يمثل المجتمع النصيري وعقائدهم التي يقلدهم بها العوام هي من تحدد هل عقائد المعاصرين هي عقائد الأقدمين أم تختلف.
إنه من خلال استعراض العقائد الاساسية للنصيريين وقول الأقدمين فيها وما يعتقده المعاصرون فيها نستطيع أـن نقارن مدى التطابق بين قديم النصيرية وحديثها علمًا أن النصيريين بعد القرن الخامس الهجري اصبحت عقيدتهم سلفية نصيرية، حيث أصبح التراث المكتوب قبل القرن السادس هو المرجعية لكل من جاء بعده وليس هناك بحث أو انشقاق أو رأي لشيوخ النصيرية بعد القرن السادس الا ويعتمد في إثبات صوابيته على ما كتبه الخصيبي أو ميمون أو الجلي... أو اعتماد على الهفت والصراط والأسوس والرستباشية... ويكفي أن نعلم أن الرسالة الرستباشية للخصيبي التي وصفها ميمون الطبراني بأنها: أصل الاصول التي تفرع عنها كل الفروع. وقال فيها وفي الخصيبي الثائر المفترض صالح العلي (1883-1950م):
والرأي رأي ففيهنا لا غيره         وسواه لسنا بالنصوص نقلد
ولنحن متبعون نهج ثقاتنا               ورسالة الشيخ الخصيبي المورد[1]
هي أهم مصدر لعقائد النصيريين المعاصرين بدلالة النسخ العديدة التي خطها أعلام النصيريين المحدثين كسليمان الأحمد وحيدر عبود ومرهج... فلو لم يكونوا يؤمنون بها فلم لا زالوا إلى اليوم يكتبونها ويتناقلونها فيما بينهم؟
كما أن سور كتاب المجموع (الدستور) يجب على كل نصيري أن يحفظها تلقينًا عن شيخ الحارة أو الحي أو القرية ويدل على مكانتها عند عوام النصيرية أنها وجدت ضمن المقتنيات الشخصية لكثير من جنود النظام الذين قتلوا... وسور المجموع تحوي الأصول العقدية للنصيرية مبسطة بما يناسب عقول عوام النصيريين وفيها كل ما ينسب للنصيرية من عقائد قالها الأقدمون.


الثالوث النصيري المقدس وتأليه علي بن أبي طالب:


أصلت النصيرية القديمة العقيدة النصيرية على ثالوث من ثلاث عناصر تشكل مجتمعة مفهوم التوحيد عند النصيريين، فقالوا:
إن الذات الإلهية المشار إليها عندهم باسم (المعنى) هي حقيقة لا تسمى باسم ولا توصف بوصف لما أرادت إيجاد الوجود والخلق، فاض عنها نور لا حد له، فكان هذا النور هو الوجود بمعناه المجرد (نقيض العدم) فجعلت من هذا لنور الفائض عنها حجابًا لها تستتر خلفه وجعلت هذا النور موضع أسمائها وصفاتها وأوكلت اليه امر الخلق، فنشأ عن هذا الفهم عند النصيرية عقيدة الثنوية حيث الإله الأول (المعنى) والإله الثاني الخالق (الحجاب/الاسم). ثم أن الحجاب بدوره خلق من نوره نورًا كان هو الكون الذي ظهر عنه الوجود المادي من أفلاك وكواكب وخلق ... وهذا الوجود المادي هو الباب لأنه باب الملكوت ولا وصول إلى الاسم إلا من خلاله.
إن هذا الثلاثي: المعنى، الاسم، الباب يرمزون إلى كل واحد منهم بالحرف الأبجدي الأول المشتق من اسم الشخص الذي ظهر كل واحد منهم به بشريًا في آخر ظهور، فالمعنى (ع) من اسم علي. والاسم (م) من محمد، والباب (س) من سلمان الفارسي، وهم اركان العقيدة النصيرية الذين يجمعون بكلمة (ع م س) شهادة التوحيد عند النصيريين كما يصوغها الشيخ حمدان جوفين شعرا:
ثم اشهدوا يا إخوتي بعقيدتي

عين وميم ثم سين قراري[2]

فالأول (المعنى) خلق الثاني (الاسم) الذي خلق الثالث (الباب). وهؤلاء الثلاثة ليسوا متسأويين ولا متحدين اتحاد اندماج بل العلاقة بينهم تلخصها فكرة العبادة عند العلويين التي يختصرونها بالقاعدة التالية: تدخل من الباب، ساجدا للحجاب، قاصدا المعنى
بعد أن وجِد الخلق كان المعنى (الذات الإلهية) إذا أرادت الظهور لخلقها (قبل البشر) تحتجب بالاسم وتظهر به بصورة من جنسهم (صورة من نور كمثلهم) لأنه لا يمكن للمخلوقين أن يعاينوها على حقيقتها لاختلاف طبيعة الخالق والمخلوق. فلما أهبطت الخلق من السماء وجعلتهم بشرًا وأسكنتهم الأرض كان لزامًا على الذات الإلهية أن تظهر بينهم بشرًا ليعرفوها ويعبدوها فكان ظهورها يتم وفق ما كانت تظهر به في عالم النور قبل البشر، فظهرت بشرًا مستترة ببشر فظهرت سبع مرات بذاتها بين خلقها حيث كان آخر ظهور للذات بصورة علي بن أبي طالب مستترة بصورة الحجاب محمد، والباب سلمان الفارسي دليلًا عليهما.
فصورة علي بن ابي طالب وفق اعتقاد النصيريين هي صورة الذات الإلهية ولكنها لا تمثل كل الذات وانما تمثل بعضها وليس لهذه الذات صورة غيرها وفق قاعدة عندهم في الظهور تقول: الصورة المرئية (صورة علي) هي الغاية الكلية، ليست بكلية الباري (الذات الإلهية) وليس للباري سواها، وهي هو إيجادا وعيانًا ويقينًا، وليست هي هو احاطة وادراكًا
وصورة علي بن أبي طالب الظاهرة للبشر ليست حقيقية وإنما كل إنسان يرى منها بحسب إيمانه، فأهل الباطل رأوه في صورة علي المعروف في الكتب، والذين اعلا أيمانًا منهم رأوا من الصورة غير ما رأى أهل الكدر، وأهل الحقيقة الكاملة لم يروا صورة علي بل رأوا الذات الإلهية لم تزل عن كيانها، فبمقدار إيمان كل مؤمن يرى من حقيقة الصورة
هذا مختصر مفهوم الثالوث النصيري بمعزل عن التفاصيل الأخرى التي لا يمكن استيعابها بمقال
وبقي أن نعرف أن الذات الإلهية التي تظهر لخلقها ليس لها اسم أو صفة، وأي اسم أو صفة تطلق عليها من مثل الله أو الرحمن أو الرحيم .... انما المقصود به الاسم/الحجاب. يقول الكلازي الانطاكي:
إن المعنى أنحل السيد محمد أسماءه وصفاته لعلو درجته عنده وقربه منه لأنه مخترعه من نور ذاته[3]... ومعنى هذا أن الحجاب الذي مثلَّه محمد في آخر ظهور بشري هو الله وهو الأسماء الحسنى المعروفة عند المسلمين، فعليه يقع اللفظ، ومعنى اللفظ يكون المقصود به الذات الالهية.
نصوص نصيرية قديمة في الوهية علي بن أبي طالب:
1.      عن أبي شعيب (محمد بن نصير) (توفي بعد 260هـ) في كتاب المثال والصورة يرويه الخصيبي، قال:
"إن الذي رأيته يقول الناس هو علي إنما هو الله الذي يظهر كيف يشاء. لم يغب عن سمائه بمشاهدة أرضه ولا عن أرضه بمشاهدة سمائه. فمن زعم أنه رأى بعضًا فقد بعض الله. ومن قال: هو هو بذاته على أنه بدن فقد شبَّهه وحدَّه ووصفه. ومن قال: هو الله ظهر كيف يشاء لمن يشاء من خلقه لا موصوفًا ولا محدودًا ولا زائلًا ولا يقضَ عليه بحراك ولا حد ولا مثال استدللت به على صورته ومن استدل بمعرفته على صورته فقد صار بعون الله إلى سبيل النجاة"[4]
2.      محمد بن سنان (توفي حوالي 225هـ) يقول: «وعَليّ هو الله، والله هو عَليّ»[5]
3.      الخصيبي (260-345ه) يقول: "الله وحده هو أمير المؤمنين فإذا ذكر الذين من دونه وهم الثلاثة (أبو بكر، عمر، عثمان) استبشر المخالفون"[6]
4.      المكزون السنجاري (1187-1240م) من أقواله: "وهو مولانا أمير النحل لم يزل عن رتبته ولم يستحل عن كيانه في ظهوره كجعفر، هو الإله الأول الأزل الحق المدعو حيدر"[7]
5.      حاتم الجديلي الطوباني (كان حيًا عام 1182م): "المعنى المعبود أمير المؤمنين صاحب القدرة الظاهرة والمعجزات الباهرة... وأصل التوحيد الإقرار بالصورة المرئية..."[8]
6.      الصويري (1218-1249م) يقول: «وهو تعالى لم يزل عن كيانه وإن ظهر لعيانه، العلي عن التصوير والصور، الموصوف بالمعاجز والقدر، القائم بذاته بالعلم والقدرة والفعل المعجز، الذي لا يأتي أحد من المخلوقين بمثله، أمير المؤمنين الأزل القديم العلي العظيم، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد»[9]
إن الشواهد التي ذكرناها من كتب القوم القديمة عن ألوهية علي بن أبي طالب هي غيض من فيض وهي من مصادر متعددة تعود لعصور مختلفة ولم تختلف كل المصادر القديمة فيما بينها حول حقيقة تأليه علي بن أبي طالب وأبنائه من بعده....
 وفيما يلي شواهد من نفس النوع في تأليه علي بن أبي طالب تعود للعصر الحديث لأعلام نصيريين معروفين محدثين ومعاصرين يأتي على رأسهم شيخ الطائفة في العصر الحديث الذي ينتسب اليه معظم علويو سوريا (الكلازيون) وهو محمد الكلازي الانطاكي (1602-1640م)، الذي يقول:
"وإن العين (علي) هو الله رب العالمين الذي لم يزل عن كيانه وإن ظهر لعيانه"[10].
 ويقول في موضع آخر: "علي هو اسم الله الواقع على الناسوت ومحمد هو الله، والله اسم واقع على اللاهوت"[11]
أما علامة النصيريين المعاصر والذي يلقبونه بعلامة الجبل الشيخ سليمان الأحمد (1869-1942م) فيقول:
«إن أصل عقيدة هذا المذهب وقاعدة أمره أن الصورة المرئية هي الغاية الكليَّة الظاهرة بالسبع قباب من هابيل إلى أمير المؤمنين هي هي الذات المعبود»[12]
ويقول سليمان الأحمد في احدى مراسلاته إلى معاصره الشيخ صالح الحكيم:
 وخلاصة ما اعرفه واعتقده:
أشهد أن لا إله إلا       علي الأنزع البطين
ولا حجاب لديه إلا              محمد الصادق الأمين
ولا سبيل إليه إلا        سلمان باب الهدى المبين[13]
وقبل سليمان الأحمد هناك الشيخ حسين أحمد (توفي حوالي 1878م) الذي يلقبونه بالخصيبي الصغير يقول: "ها أنا متكل على حولك وطولك يا ذا الحول والطول، يا خير مسؤول وأكرم مأمول يا حي يا قيوم يا أمير النحل يا علي يا عظيم[14] ... ويدعو في أحد أدعيته فيقول: يا حميد يا مجيد يا غفور يا ودود يا أرحم الراحمين يا أمير النحل يا عليًا يا عظيم"[15]
أما معاصر حسين أحمد الشيخ إبراهيم مرهج (كان حيا 1908 م) شارح ديوان المنتجب العاني وديوان الخصيبي فإنه لم يسجل اعتراضًا على عقائدهما في تأليه علي بن أبي طالب وشرح قول المنتجب العاني:
وإن أردت ظهورات الإله وما                      دلت على الذات في أدوارها القبب
             فتلك هابيل وشيث ويوسف لأخي            فهم ويوشع معنى حمده يَجِب
           وآصف ثم شمعون الصفاء ومولانا          علي الذي ما مسه لغب[16]
فقد شرح مرهج القصيدة وما احتوته من معاني ومصطلحات ولم يعقب معترضًا على تأليه علي أو ما يعتقده العاني من ظهورات للمعنى سبع مرات بين البشر كمثلهم من هابيل حتى علي بن أبي طالب.
ويأتي بعد إبراهيم مرهج ابنه عبد اللطيف إبراهيم مرهج (1903- 1995م) معاصر سليمان الأحمد وصديقه، ويقدم تعليقات على كتاب محمد بن شعبة الحراني "الأصيفر" الذي يدور موضوعه حول الظهور والغيبة والصورة الظاهر بها المعنى فلم يعترض على قول ابن سنان الزاهري عندما قال: " اسم علي وقع على الناسوت، واسم الله وقع على اللاهوت، وعلي هو الله، والله هو علي"[17] فهو لم يعترض على قول: علي هو الله والله هو علي، وانما اعترض على اطلاق اسم الناسوت واللاهوت لان ذلك تشبه بالنصارى، فهو يرى ان صورة علي تنزه عن الناسوت ولا يجوز وصفها بصفات البشر[18] فلو كان يعتقد أن تأليه علي، امر خاطئ ألم يكن من الأجدى به تصويب ذلك بدل أن يعترض على مصطلحي اللاهوت والناسوت بحد ذاتهما.
إن كل ما مر من شواهد على تأليه علي بن أبي طالب من أقوال مشايخ الطائفة يعود إلى رجالات النصيرية من الكلازية الذين يشكلون غالب نصيرية سوريا، ولا يختلف الفرع الثاني من النصيرية وهم الحيدريون عن الكلازيين في عقائدهم بشيء فهم يقولون مثل قولهم، فقد ألف الشيخ وهيب بدر غزال وهو من اسرة دينية حيدرية عريقة تتوارث المشيخة بين أبنائها كتابًا أراد فيه تصحيح عقائد النصيرية عنوانه "الطاعة والايمان في صيام شهر رمضان" فكان مما قاله في المقدمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ما دام في سلطانه العظيم وسبحان الله استماحة لغفرانه العميم. والصلاة والسلام على صاحب الشرف القديم والصراط القويم والقلب السليم، صاحب قول جليل حكيم، لا إله الا المعنى القديم ولا حجاب الا الاسم العظيم ولا باب الا السين الكريم. ثم تمجيد أولي الألباب والتفكير الذين نجوا من ضلال رجالات التقصير بروية وحسن تدبير، أولئك عرفوا القدرة بالقدير والبشرى بالبشير فلبوا دعوة النذير ويا فوز من لبَّاه وآمن به وما عصاه حين صرح إلى مولاه وغاية قصده ومعناه قائلا: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ومعناه، لا إله سواه ولا معبود إلاه..."[19]
وفي فترة الستينيات وما بعدها من القرن العشرين حدثت هزة عميقة في العقيدة النصيرية على اثر هبوط المركبة السوفييتية على القمر وثم هبوط الامريكان عليه فتجدد ذلك الجدل الذي كان أحد شيوخ النصيريين وهو أحمد حيدر من القائلين فيه عن تنزيه الله عن الظهور بصورة وعن احتجابه بالقمر (معبود الكلازيين) بعد أن غابت صورة علي بن أبي طالب... فقام أحد شيوخ الكلازيين وهو إبراهيم سعود (1917- 1982م) بتألف كتاب خاص "الأدلة النقلية في إثبات أن الصورة المرئية هي الغاية الكليَّة" يرد فيه على أحمد حيدر الذي أنكر ظهور الله بصورة بين البشر منكرًا ظهوره بعلي بن أبي طالب أو غيره، فألف إبراهيم سعود يدحض عقيدة أحمد حيدر ويؤكد على ظهور الله بشرًا بصورة علي مكفرًا من لا يعتقد بهذه العقيدة وحشد في إثبات رأيه أراء كثيرة لقدامى ومحدثين، ومن  استشهاداته ونقوله:
"الصورة المرئية الأنزعية ظاهر الباري في سماواته وأرضه وكل يراه بما استحق من النظر إليه... المعنى المعبود أمير المؤمنين صاحب القدرة الظاهرة والمعجزات الباهرة... وأصل التوحيد الإقرار بالصورة المرئية ... فمن أنكر الصورة المرئية فهو مبطل ومن شبَّه بها فهو مشرك ومن أثبت الوجود بها فهو موحد..."[20]
وهنا يجب ان نذكر ان النصيرية ديانة كهنوتية فلا يستطيع النصيري ان يحصل على المعرفة الدينية بمجهوده الخاص من خلال المطالعة بل هو ملزم بتلقي العلم عمن سبقه وفق تراتبية مراتب الشيوخ وهو في كل مراحل تعلمه ملزم بالتبعية والتقليد لمن فوقه ولا يستطيع الخروج عما رسمه وقرره شيوخ الطائفة من عقائد ومن يخرج عما هو متفق عليه بين رؤوس الطائفة سيكون مصيره القتل كما حدث لسليمان الأضني فيما مضى  وفي اخف الأحوال الهجر والتضيق عليه والمقاطعة كما حصل لأحمد حيدر (1888- 1975م) الذي شذ عن عقائد الطائفة بخصوص الصورة المرئية وظهور الله في خلقه بصورة علي بن أبي طالب وغيره، حيث انكر ذلك فعاش حياته مقاطعا من قبل الطائفة ومضيق عليه حتى مات رغم انه احد اعلامهم فما بالك لو كان من عوامهم وقد سجل معاناته تلك في كتبه: تناثر الأوهام، وما بعد القمر، والتكوين والتجلي.... كما سجل معارضوه ومعاصروه من شيوخ الطائفة بدعته ودبجوا في الرد عليه اعتمادا على مؤلفات السابقين الذين خالف أحمد حيدر اعتقادهم كما سلف في رد إبراهيم سعود عليه، وكان سليمان الأحمد أحد من هدده وتوعده بمصير أبي ذهيبة بن خلاد البعلبكي الذي قاتله الميمون الطبراني في نهاية القرن الرابع الهجري وقتله بسبب خروجه عن معتقدات النصيرية التي أصلها الخصيبي في رسالته[21]
وان كنا قد تنأولنا فيما مر عقائد علية القوم من شيوخ النصيريين وعلمائهم في القديم والحديث من واقع مؤلفاتهم وما كتبوه، فان المتتبع لواقع عوام النصيريين سيجد الكثير من الأمثلة عن تأليه علي بن أبي طالب بعضها نقلها مؤلفون وكتاب عايشوا النصيريين وعاشوا معهم في بلادهم مثل الاديب السوري المعروف محمد المجذوب الذي الف فيهم كتاب "الإسلام في مواجهة الباطنية"  وذكر كثيرا مما راه وعاينه عن تأليه علي بن أبي طالب وان ذلك عقيدة راسخة عند القوم وليست فعلا شاذا... ونقتبس بعضا مما ذكره على سبيل الاستشهاد حيث يقول:
أحد الايام كنت اقرا مقدمة ديوان من المراثي نظمها عدة شعراء في أحد مشايخ النصيرية، فجعل كاتب المقدمة يتخذ من شهادة مائة راث لذلك الشيخ دليلا على اننا فقدنا رجلا عظيما من الصالحين، وكان هناك صديق من شعراء ذلك الديوان هو أحد تلاميذ ذلك الشيخ فلما اطلع على ما اقرا أرسل ضحكة مجلجلة وقال:" لقد كانت تسبيحة شيخي المألوفة هي:" يا علي لك العبادة" وتابع صديقي: لعلك تظن انه يريد بذلك الله العلي؟ انا اقول لك لم يرد غير الأنزع البطين..."[22]
ويذكر المجذوب في حادثة أخرى انه في عام 1960 في بيت في سوق الداية باللاذقية، حدث اجتماع حضره نحو 15 شخصا نصفهم شيوخ ووجهاء من النصيريين وكان الحديث يدور حول ايجاد تعأون بيننا يساعد على إنعاش الفكرة الإسلامية في الجبل (جبال العلويين)، فتكلم شيخ مقدم منهم وذكر ان القوم مسلمون على أحسن ما يكون من الإسلام وان الله ربهم ومحمد نبيهم والقران كتابهم وكل ما يقال فيهم غير ذلك هو كذب وافتراء ...
فقلت: أهو اجتماع مجاملة ام مصارحة؟ ثم قلت: هذا التوحيد الذي تتكلمون عنه أهو توحيد في الله ام في علي؟
فبدا الوجوم على القوم، فتابعت حديثي:
من الخير ان نكون متعأونين على كل خير ولكن عندما يكون الموضوع متعلق بالعقيدة الإسلامية فلا مكان للمجاملة، ان الاستقامة في العلاقات الاجتماعية مرده للاستقامة في العقيدة فلنبدأ بتصحيح مفاهيمنا ليسهل بعدها تصحيح أي اعوجاج اخر، ثم تطرقت إلى القضايا الخلافية في العقيدة التي يتبناها النصيرية وهي:
القول بألوهية علي بن أبي طالب وانه هو الله
تقديس القبور وتقديم النذور لها
ان القران والسنة هي مرجعيتنا وليس المشايخ وانه لا كهنوت في الإسلام
انكارهم البعث والنشور والجنة والنار  [23]
وفي الواقع المعاش اليوم في سوريا والذي ظهر بعضه على الاعلام قد يكون البعض سمع عبارات التأليه لعلي بن أبي طالب مثل قول أحد ضباط النصيريين (علي خزام) في حديث خاص بين بني قومه: "دخلك دخيلك إلهي ذو الفقار...وحياة اللي خلق الكرة الارضية اللي هو مولانا امير المؤمنين..." وقول اخر: "وخمرة علي مولا الموالي بعبدو"[24]
وعندما يأتي نصيري سواء من العوام أو الخواص ويقول: نحن لا نعبد علي بن أبي طالب... فقط اطلب منه ان كان صادقا فيما يقوله ان يعلن صراحة براءته من عبادة علي بن أبي طالب... ان غالب النصيريين لن يفعلها وسيرأوغ ويستخدم الذرائع لكيلا ينطق بها ذلك انه بحسب أصول الدين النصيري فان النصيري يستطيع ان يكذب وان يمارس التقية ويدعي غير ما يعتقد الا في امر واحد هو البراءة من عبادة علي بن أبي طالب فمن فعلها فقد كفر.

وأخيرا نقول: إذا كانت النصيرية القديمة غير الحديثة فهل يستطيع النصيريون اليوم ان ينشروا مؤلفاتهم الباطنية التي يتوارثونها ويعلنوا البراءة منها ومن عبادة علي بن أبي طالب؟
الجواب هو ان هذا لا يمكن ان يتم تحت أي ظرف من الظروف إلا ان ينقلبوا على دينهم ويتبرؤوا منه وهذا ايضا لا سبيل لحدوثه لا الان ولا غدا. ان من صلب العقيدة النصيرية التقية، ومن التقية التكتم على اسرار الدين وعدم البوح بها لغير النصيريين ومنذ القديم تم تأصيل هذه العقيدة واعتبرت من صلب النصيرية فقالوا: من اذاع بسر الربوبية فقد اعان على قتل نفسه، أو فقد أهدر دمه، أو فقد ارتد عن دينه، والسبب بزعمهم: ان الله أحب ان يعبد سرا، وان الله اخفى حقيقة ذاته عن الجاحدين (غير النصيريين) وامرهم بكتمان هذا السر وعدم البوح به لكيلا يطلع ابناء الشياطين عليه فيذيعونه لغير اهله " ان الله أحب ان يعبد سرا "[25]
في حديث خاص جمع كلا من سامي الجندي (اسماعيلي) أول وزير اعلام بعد انقلاب 1963 وصلاح جديد (علوي) رئيس اركان الجيش السوري، طلب فيه الجندي من صلاح جديد ان تقوم الطائفة بنشر كتبها السرية وتظهر حقيقة اعتقادها صراحة لإزالة سوء التفاهم بينها وبين الطوائف الاخرى، فقال صلاح جديد: لو فعلنا ذلك لقام شيوخ الطائفة بقتلنا. 




[1] قصيدة مخطوطة لصالح العلي
[2]المخطوط الكبير – ص 218. نقلا عن محمد المجذوب – الاسلام في مواجهة الباطنية
[3] الكلازي- افراد الذات عن الأسماء والصفات- ص21
[4] ميمون الطبراني- البحث والدلالة-ص23
[5] محمد بن شعبة الحراني- الاصيفر-ص8
[6] الخصيبي- الرستباشية-ص38
[7] المكزون السنجاري- ادعية الاعياد-ص17
[8] سعود-الادلة النقلية-ص62
[9] الصويري-الرسالة النورية-ص1
[10] الكلازي- التأييد في خاص التوحيد- ص19-20
[11] الكلازي- التاييد - 86
[12] سعود-الادلة النقلية-ص96
[13] ابراهيم سعود-الادلة النقلية-ص100
[14] حسين أحمد- مجمع ابتهالات في ظرف الساعات- ص8
[15] نفس المصدر- ص9
[16] مرهج، إبراهيم- شرح ديوان المنتجب – ص 66-67
[17] ابن شعبة الحراني- الاصيفر- ص 8
[18] ابن شعبة- الاصيفر- هامش ص8
[19] المجذوب، محمد- الإسلام في مواجهة الباطنية- ص176
[20] سعود- الأدلة النقلية- ص60- 63
[21] إبراهيم سعود- الأدلة النقلية- ص100 وهامشها
[22] المجذوب- الإسلام في مواجهة الباطنية- ص65
[23] المجذوب- نفس المصدر السابق- ص45- 49
[25] الصراط – معرفة الهياكل. وكتاب الهفت- ص 102


الأحد، 18 أكتوبر 2015

هل يؤله العلويون حافظ الأسد:

كثير ما كان الناس يسألون هذا السؤال بعدما رأوا من عبارات الشتم للذات الإلهية والأفعال التي كان يمارسها الشبيحة من إجبار الناس على السجود لصور حافظ وابنه أو تحريفهم لآيات القران الكريم وإنزال اسم حافظ الأسد مكان الله ...
من حيث الأصل الديني في العقيدة النصيرية فإنه لا يوجد في العقيدة النصيرية ما يمنع من تأليه الأشخاص سيما أن هذه العقيدة في أساسها قامت على تأليه علي بن ابي طالب وذريته من بعده، وقد حوت المصادر النصيرية الدينية كثيرًا من النصوص التي تثبت ذلك وتسوغه فقد جاء في أقدم المصادر الدينية النصيرية وهو كتاب الاسوس الذي يزعم النصيريون قدسيته قول الله يخبر عن نفسه:
"إذا جئتكم جائعًا فاشبعوني و إذا جئتكم عريانًا فاكسوني ، إذا تصورت لكم بهذه الصور فلا تنكروا أني ربكم ، فإني تصورت كيف شئت ، في صورة جائع وفي صورة الأغنياء وفي صورة الأولاد وصورة الأغر وصورة الرجل وصورة النساء وصورة الصبيان، كذلك أتيت إبراهيم فظن أني جائع وأنا خلقت الجوع وأتيت لوطًا فظن أني عاجز وأنا خلقت العجز وأوهمت موسى أني أتصدق وأنا خلقت الصدقة ، فلا يذهبك أيها السائل إذا رأيت لا تعتبن على ربك ولا تقل لا ينبغي أن  يكون كذا وكذا ، فهذا من لطف الصانع وعجائب الرب ... يقول الرب لنفسه : أنا عبد ، ويتجاهل ويظهر الموت، ويستقيم أن يقول أنا عبدكم ويستقيم أن يقول أنا أظهرت نفسي عبدًا ...."
 وكذلك يعتقد النصيريون أن المعنى (الذات الإلهية) الذي يظهر بشرًا في صورة بشر بين خلقه في الارض يظهر ظهورًا يدعونه (ظهور الإفراج) في صور الأئمة الشيعة حيث يزيل المعنى صورة الامام ويظهر كمثله وقد تكرر هذا الظهور بعد غيبة علي بن ابي طالب عشر مرات في صورة الأئمة من الحسن بن علي حتى الحسن العسكري فكان الامام ظاهرًا بشرًا وباطنًا هو (الله)، وقد يتمازج صاحب الصورة المُزالة (الامام) مع غيره من البشر فيقوم هذا الغير كمثل الله كما ادعى أبو الخطاب محمد بن ابي زينب مطلع خلافة ابي جعفر المنصور بأن جعفر الصادق ظهر ونطق من خلاله بالألوهية عندما نادى من على مئذنة جامع الكوفة: أنا ربكم الأعلى. فقتله عيسى بن موسى العباسي كما ذكر ابن الأثير في تاريخه وشيخ الطائفة الخصيبي في رسالته. وقد تكررت دعوى أبي الخطاب فيما بعد عندما ادعى محمد بن نصير أن محمد بن الحسن العسكري قد غاب وظهر به وقال لاتباعه: ليس ورائي لطالب مطلب. أي أنا الغاية التي تطلبونها...
 وقد حوت العقيدة النصيرية الكثير من النصوص الدينية التي تؤصل لهذا المعتقد من تأليه البشر من مثل ما يذكره المفضل الجعفي عن جعفر الصادق –بزعمه-من أن جعفر الصادق قال له:
" ازدياد المعرفة يكون بإقرار المؤمنين بكل ما ورد اليهم من المعنى الذي أقروا بوحدانيته واسمه وبابه ومقرين بكل ظهوراته التي دعاهم بها اليه حتى ولو ظهر لهم أعجمي أو نبطي قبلوه أو ابيض أو اسود كما ظهر لهم في الطفولة في القبة المسيحية يخبر بنفسه ويوضح البيان ... ولو أتاهم ذلك الشخص الذي أقروا بمعنويته بتحريم ما أحل لهم وتحليل ما حرم عليهم ودعاهم إلى كل ملة وشريعة وأظهر مثل الزنار (راهب) وحلق وسط الرأس (مجوسي) ... قبلوه وصدقوه  وعلموا أن ذلك كله منه  وله وفيه وإنما هو اختبار فكلما سلموا وصدقوا ازدادوا رفعة وعلوًا ومعرفة وصفاء ..." ومعنى هذا أنه لو ظهر أي شخص واظهر للناس العلم والقدرة والمعاجز التي يعجز عنها البشر العاديون لكان ذلك من دلائل إلوهية هذا الشخص وأنه أحد ظهورات المعنى. وعلى مثل هذه النصوص والاعتقادات ألهت طائفة من النصيريين مطلع القرن العشرين سلمان المرشد وتبعته بعد أن أظهر لهم بعضًا من الأعمال والأفعال التي كان في ظاهرها أنها معاجز وخوارق كإخراجه العسل من الأرض ولمعان شخصه في الظلام بفعل الفوسفور الذي كان يطلي جسده به.
ان ما ادعاه المرشد من ألوهية ليس أمرًا مستغربًا في العقيدة النصيرية، فمبادئها وأصولها تسمح بمثل ذلك أساسًا، فأصولهم تقول: أن الله يظهر كيف شاء ومتى شاء، فاذا ظهر جاء بالمعجزات والدلائل التي تؤكد معنويته (إلوهيته)، فإذا أظهر الله وهو متمثل بشرًا العلم والقدرة للبشر وجب عليهم تصديقه والإيمان به وطاعته في كل ما يأمرهم به حتى ولو كان مخالفًا لما اعتادوا عليه من الدين. وسلمان المرشد قد جاء بدلائل كثيرة كالتي ذكرناها آنفًا -أثبتت لدى من اتبعه إلوهيته وأنه رب، وزاد عدد اتباعه في زمنه عن الخمسين الفًا وبقيت نحلته قائمة وموجودة حتى زمننا هذا مما يدل على عمق الاعتقاد بهذا الأصل وأنه تيار عام في الطائفة وليس فعلًا شاذًا أو استثنائيًا. والذين عادوا المرشد من مشايخ النصيريين وكذبوه ولم يصدقوه في دعواه كان دافعهم في ذلك الحسد والغيرة وليس بسبب بطلان مزاعمه، فهو أقام الدلائل على دعواه بحسب ما تقتضيه العقيدة النصيرية. ومعلوم أن حافظ الأسد قدم للعلويين أكثر بكثير مما قدمه المرشد لأتباعه وفاقه في ذلك، وبما أن قدسية رجل الدين عند العلويين تتحدد بمقدار ما يظهره من خوارق وكرامات، فان حافظ الأسد فاق سلمان المرشد في هذا الجانب.
لا يمكن الجزم أن النصيريين بمجموعهم كلهم يؤلهون حافظ الأسد، ولكن من لم يؤله حافظًا فإنه رفعه إلى مصاف طبقة الكهنوت المقدسين من مشايخ النصيريين من الطبقة الأولى يدل على ذلك تلك الصور التي انتشرت وهي تظهر مشايخ الطائفة وبينهم حافظ الأسد كواحد منهم.
 اما الذين ألهوا حافظًا وساروا بهذا الاتجاه فقد ظهرت نزعتهم تلك منذ أيام حافظ الأسد وترجموا عقيدتهم تلك إلى شعارات وأفعال، فمثلًا ردد عناصر اللواء 81 مطلع التسعينيات وبإشراف قائد اللواء العلوي علي أسعد في أحد احتفالات ذكرى الحركة التصحيحية: "يا الله حلك حلك حافظ اسد محلك". وقام أحد فروع حزب البعث (فرع اللاذقية) بصنع سجادات للصلاة مزينة بصورة حافظ الأسد ربما انطلاقا من قاعدة دينية في العقيدة النصيرية تقول: من عبد ما لا يُرى فقد عبد وهمًا. وما كنت أعبد ربًا لا أراه.
  وهناك مقطع صوتي لعلوي اسمه حسن حسن بثته الفضائية السورية يقول فيه:
اسألوا ابائي اسألوا جدي
 اسألوا نسبي اسألوا الشموخ اسألوا الواحد الأحد
 اسألوا ماشئتم فأنا البعث ديني وربي بشار الاسد
 وأفضل الشواهد على هذه الفكرة (تأليه حافظ) رآها معظمنا وعاينها هو تلك الصور التي انتشرت لحافظ الأسد وهو يظهر في القمر. ومعلوم أن غالبية نصيرية سوريا هم من الكلازيين مؤلهي القمر إذ يعتقدون أن صورة القمر هي صورة المعنى علي بن ابي طالب وفيها محتجب، لدرجة أنهم ارتكبوا جرائم قتل بحق المسيحيين في الستينيات من القرن الماضي عندما عرفوا أن إخوانهم الأمريكيين نزلوا على القمر انتقامًا لما زعموا من تدنيس المسيحيين للقمر معبود العلويين الكلازيين
وهذه الحادثة –الهبوط على سطح القمر-كانت مثل القاصمة في وقتها على عقائد الكلازيين التي استغلها الحيدريون ضدهم مما استدعى مشايخ الكلازيين أن يؤلفوا فيها دفاعًا عن معتقدهم وعن القمر إلى درجة أن شيخ العلويين في عصره الشيخ سليمان الأحمد شارك في هذا الجدل دفاعًا عن القمر الذي هو صورة الأنزع البطين (علي بن أبي طالب).
 فاذا علمنا مقدار ما للقمر من منزلة في عقائد العلويين -حتى أن كسنجر أهدى حافظ الأسد بعضًا من صخوره لعلمه بمكانة القمر في عقيدة حافظ-علمنا أن إلصاق صورة حافظ بالقمر ليس فعلًا عشوائًيا وإنما لا بد أن يكون في ذهن واعتقاد فاعليه أن حافظًا وصل إلى المرتبة التي تسمح باعتباره كمثل المعنى (الله) في الأرض وإلا لما كانوا قرنوا صورته بصورة القمر التي هي صورة الأنزع البطين علي بن ابي طالب.
وفيما روي لنا من بعض النصيريين قال أحدهم منتقدًا بعض بني دينه من النصيريين لأنهم يألهون حافظ الأسد-:  ان هذه البدعة تم ترويجها من قبل بعض المشايخ بعد وفاة حافظ الأسد، وقد استشهد على صحة تأليه حافظ الأسد بعدد الضحايا أيام المظاهرات عندما كان يتم شتم حافظ الأسد
يستطيع العلويون أن ينكروا هذا أو يجعلوه فعلا شاذًا لا يعبر عن نهج ديني في عقيدتهم لكن سيكون عليهم تبرير مئات الأفعال والأقوال التي رأيناها عبر الاعلام وسمعناها: السجود لصور حافظ وابنه بشار. تحريف القران وإنزال اسم حافظ مكان اسم الله، السؤال المتكرر للشبيحة وأفرع الامن للمعتقلين (مين ربك؟) ... فكثرة الأفعال والأقوال وتكررها في مناسبات مختلفة يجعل منها قاعدة وليس شذوذًا